حيدر حب الله
404
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
إلا أنّه مع ذلك لا تبدو النصوص واضحة في تحريم الفعل على الطرفين ، لو تركنا باب الإعانة على الإثم ونحو ذلك ، فأيّ مانع أن يكون الرجال قد حظرت الشريعة عليهم مصافحة النساء أو مسّهنّ مطلقاً ، وأمّا النساء فلا يجوز لهنّ المصافحة غير المصحوبة بشهوة أو فتنة ، من باب حرمة المصافحة على الرجل ، لا من باب حرمة المصافحة على المرأة ، بحيث لو جاز لهذا الرجل المصافحة لسبب أو لآخر ، فلا يوجد دليل يُثبت الحرمة في المرأة ، وإمكان التمييز وارد جداً ، من حيث إنّ المصافحة قد تُحرّك غرائز الرجل بنسبة أكبر من التحريك للمرأة في الحالة العادية ، أو من حيث إنّ الرجل قد يتمادى في تصرّفه بخلاف المرأة عادةً ، فالاطمئنان بشمول النصوص للمرأة بعنوان ذلك محرّماً أوّلياً في حقّها ، قد يبدو عسيراً وإن كان محتملًا . وهذا مثل باب الأوامر ، فإنّ قولنا : احترم والدك ، لا يعني أنّنا نأمر الوالد باحترام الولد ، كقولنا لزيد : لا تلقي السلام على عمرو ، فإنّ هذا لا يعني أنّنا نطلب من عمر أن لا يجيب لو سلّم عليه زيد ، أو أننّا نطلب من عمرو أن لا يسلّم هو على زيد . فأيّ مانع أن يحرم على الرجال لمس النساء ، بينما لا يكون ذلك حراماً على النساء إلا مع شهوة أو مظنّة الفتنة والريبة ، وينتج عن ذلك أنّ معالجة الرجل للمرأة تحتاج لدليل الاضطرار والضرورة ، بينما معالجة المرأة للرجل تكون جائزةً على مقتضى الأصل ما لم تكن هناك شهوة . ولعلّ ما يرشد لذلك - لو قبلنا دلالة نصوص بيعة النساء للنبي كما سيأتي بحثه - أنّ النبي هناك لم يقل بأنّني لا أقبل بمصافحتكنّ ؛ لأنّ المصافحة حرام عليّ وعليكنّ ، بل قال : إنّني لا أصافح النساء ، ممّا يعني أنّه غير ناظر إلى وجود حيثية تحريميّة على النساء في الموضوع ، وإلا لبيّنها ، فقد كان وقتها مناسباً لذلك ، وإنّما الأمر تحرّزٌ